عبد الله بن أحمد النسفي

230

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة يونس ( 10 ) : آية 25 ] وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 25 ) وحقيقته تزيين جثّة الطين بمصالح الدنيا والدّين ، كاختلاط النبات على اختلاف التلوين ، فالطينة الطيبة تنبت بساتين الأنس ، ورياحين الروح ، وزهرة الزّهد ، وكروم الكرم ، وحبوب الحبّ ، وحدائق الحقيقة ، وشقائق الطريقة ، والخبيثة تخرج خلاف الخلف ، وثمام الإثم « 1 » ، وشوك الشرك ، وشيح الشحّ ، وحطب العطب ، ولعاع اللعب ، ثم يدعوه معاده ، كما يحين للحرث حصاده ، فتزايله الحياة مغترا ، كما يهيج النبات مصفرا ، فتغيب جثة في الرّمس ، كأن لم تغن بالأمس ، إلى أن يعود ربيع البعث ، وموعد العرض والبحث ، وكذلك مال « 2 » الدنيا كالماء ينفع قليله ويهلك كثيره ، ولا بد من ترك ما زاد كما لا بدّ من أخذ الزاد ، وآخذ المال لا يصفو « 3 » من زلة ، كما أن خائض الماء لا ينجو من بلة ، وجمعه وإمساكه تلف صاحبه وإهلاكه ، فما دون النصاب كضحضاح ماء ، يجاوز بلا احتماء ، والنصاب كنهر حائل بين المجتاز ، والجواز إلى المفاز لا يمكن إلا بقنطرة وهي الزكاة ، وعمارتها بذل الصلات ، فمتى اختلت القنطرة غرّقته أمواج القناطير المقنطرة ، وعن هذا قال عليه السّلام : ( الزكاة قنطرة الإسلام ) « 4 » وكذا المال يساعد الأوغاد دون الأمجاد ، كما أنّ الماء يجتمع في الوهاد دون النّجاد ، وكذلك المال لا يجتمع إلا بكدّ البخيل كما أنّ الماء لا يجتمع إلا بسدّ المسيل ، ثم يفنى ويتلف ، ولا يبقى كالماء في الكف . 25 - وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ هي الجنة أضافها إلى اسمه تعظيما لها ، أو السلام السلامة لأنّ أهلها سالمون من كلّ مكروه ، وقيل لفشو السلام بينهم وتسليم الملائكة عليهم إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً « 5 » وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ويوفق من يشاء إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ إلى الإسلام ، أو طريق السّنّة ، فالدعوة عامة « 6 » على لسان رسول اللّه بالدلالة والهداية ، خاصة من لطف المرسل بالتوفيق والعناية ، والمعنى يدعو العباد كلّهم إلى دار السلام ولا يدخلها إلّا المهديّون .

--> ( 1 ) ثمام : نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص ، في ( ز ) وثمام الاسم . ( 2 ) في ( ز ) حال . ( 3 ) في ( ظ ) و ( ز ) لا يخلو . ( 4 ) قال ابن الجوزي حديث لا يصح ، فيه بقية بن الوليد ، مدلس ، رواه معنعنا ( أسنى المطالب ص 164 ، كنز العمال 6 / 15758 ) . ( 5 ) الواقعة ، 56 / 26 ( 6 ) في ( أ ) تامة .